قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

462

الخراج وصناعة الكتابة

أي الملوك أولى بالحزم ، فقال « 43 » : ( من ملك جده هزله « 44 » ، وأعرب عن ضميره فعله ، ولم يخدعه رضاه عن حظه ، ولا غضبه عن كيده ) . وقال آخر من الفلاسفة : في صفة ملك بالحزم : ( انه ينبغي الا يبلغ من الشدة إلى ما يلحق معه الفظاظة ، ولا من اللين إلى ما ينسب معه إلى المهانة ) . وهذا من جنس قول عمر بن الخطاب [ رضى اللّه عنه ] « 45 » حيث قال « انه ينبغي للوالي ان يكون شديدا في غير عنف ولينا في غير ضعف » . . . ولعبد الملك ابن مروان فصل من كلام يحتاج الملوك إلى تقبله ، وهو قوله : ( ان أفضل الناس من تواضع عن رفعة ، وزهد عن قدرة ، وانصف عن قوة ) . ومما يحتاج اليه الملوك ويزيد في قوتهم عليه ، التمهر في العلوم ، ومجالسة أهل الآداب والحلوم ، والحذق بالمحاجة ومقاومة ذوي الجدل عند المخاصمة ، فإنه يحكى عن المأمون أنه قال لرجل من الخوارج أدخل اليه : ما الذي حملك على خلافنا والخروج علينا فقال الخارجي : آية وجدتها في كتاب اللّه قال قوله ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) « 46 » فقال له المأمون : ألك علم بأنها منزلة قال نعم ، قال : وما الدليل على ذلك ، قال : أجماع الأمة . فقال له المأمون : فلما رضيت باجماعهم في التنزيل ، فأرض باجماعهم في التأويل ، فقال الخارجي : صدقت والسلام عليك يا أمير المؤمنين . فنجوع هذا الخارجي بالطاعة التي قاده إليها بالحجة ، أحسن من غلبته بالقتال والحرب . . .

--> ( 43 ) جاء في كتاب زهر الآداب وثمرة الألباب لابن رشيق القيرواني : قال الحسن بن سهل خرج بعض ملوك الفرس متنزها فلقي بعض الحكماء فسأله عن احزم الملوك فقال : من ملك جده هزله ، وقهر لبه هواه ، واعرب لسانه عن ضميره ، ولم يخدعه رضاه عن سخطه ، ولا غضبه عن صدقه . ص 4 - 5 . ( 44 ) في نسخة س ، ت : جده وهزله . ( 45 ) ليست في س ، ت . ( 46 ) سورة المائدة : 5 الآية 44 .